جعفر آل ياسين
19
الفارابي في حدوده ورسومه
وسأكتفي هنا بلقطة واحدة ألقطها من مواقف علماء اللغة ورؤيتهم فيما دوّنوه من كتب الأضداد التي « توقعها العرب على المعاني المتضادّة ، فيكون الحرف منها مؤدّى على معنيين مختلفين » - فموقفهم في هذه المدونات يتباين ويختلف عن قاعدة الضدّ التي أشار إليها الفلاسفة : فتلك نظرة أدبية خالصة ، وهذه نظرة دلالية وضمنية ، مع اختلاف الغاية في السبيلين « 14 » . ولسنا نستثني ، في هذا المجال ، الأعمال الممتازة التي قدّمها عثمان بن جنّي ( 322 - 392 ه ) في كتابه ( الخصائص ) الذي ينهض على دراسة تأريخية لنشأة اللغة وطرائق النحت والتركيب والاشتقاق ودلالات الحروف ومعانيها ، مع التأكيد على أنّ ظهور اللغة كان بالتواضع والاصطلاح « 15 » لا بالتوقيف أو الوحي - وهو رأي إذا قيس إلى فحواه الاجتماعي والطبيعي ، لا يخلو من صحة النظر وسلامة الحكم في نشأة اللغة وتطورها بحسب حاجة المجتمعات البشرية إليها . . . بينا نجد عالما وفيلسوفا سبق ابن جنّي بما يقرب من قرنين من الزمان ، وأعني به جابر بن حيان ( ت 200 ه ) - يذهب إلى رأي آخر يرى فيه بأنّ القول بأنّ اللغة « وصنع واصطلاح وعرض خطأ ، لأنّها جوهر بالطبع لا بالوضع ، لكن بقصد نفساني ، لأنّ الأفعال النفسانية جوهرية كلّها ؛ فالحروف التي هي هيولى الكلام ابتداع نفساني . . . إنّ الكلام وتأليف الحروف وعمل أشكالها من تأليف الإنسان ، إلّا أنّها قد وقعت بالطبع ! » . أجل ؛ رغم الإبداع الذي قدّمه ابن جنّي في حقل علوم اللغة ، فإنّنا لا نتردد في ضمّ مجهوداته إلى طبيعة ما أسميناه ب ( معاجم التعابير الاصطلاحية ) -
--> ( 14 ) قارن مثلا : محمد بن القاسم الأنباري - كتاب الأضداد ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، الكويت 1960 ص 1 . . وكذلك انظر : اوغست هنتر - ثلاثة كتب في الأضداد ؛ للأصمعي وللسجستاني وابن السكّيت ، بيروت 1913 . ( 15 ) انظر : عثمان بن جنّي - كتاب الخصائص ، تحقيق محمد علي النجار ، القاهرة 1952 ، 1 / 40 حيث يقول المؤلف : « إنّ أكثر أهل النظر على أنّ أصل اللغة إنّما هو تواضع واصطلاح لا وحي وتوقيف ! » .